كانت الساعة العاشرة صباحاً حينما جلس الموكل أمامي في المكتب، وكانت يدُه المرتجفة تطوق ملفاً أصفر طال عليه الأمد، يحمل في طياته دعوى مطالبة مالية بمبلغٍ لم تره عيناه قط. كان رجلاً بسيطاً أفنى زهرة شبابه في كسب قوته بالحلال، وفجأة وجد نفسه مهدداً بفقدان كل ما يملك نتيجة ادعاء كاذب وتزويرٍ حُبك بأسلوبٍ خبيث.
نظرتُ في عينيه الغائمتين بالحزن والقلق، وقال لي بصوتٍ خنقته العبرة: «يا أستاذ، إن ضاع هذا البيت الصغير فلن أجد ما أطعم منه أبنائي، لكني أعلم أن الله حيٌّ لا يموت وأن الرزق والفرج قادم لا محالة».
بدأنا في دراسة أوراق القضية ورصد التناقضات بين التواريخ والتوقيعات المنسوبة إليه، وقدمنا الطلبات لإحالة الأوراق إلى الخبراء والطب الشرعي لإثبات التزوير. وطوال أشهر التقاضي، كان أبو أحمد يتردد على القاعة صابراً، لا يكلُّ لسانه عن أذكاره، محتفظاً بيقينه الرسيخ. وفي يوم النطق بالحكم، حين أعلن القاضي براءة ذمته ورفض الدعوى الموهمة، خرّ الموكل ساجداً على أرض القاعة، دموعه تسبق كلماته، مجسداً يقينه الشديد بأن الحق لا يضيع، وأن الفرج والرزق المحفوظ لا يسلبُه باطلٌ أبداً.

