كانت الساعة الثانية عشرة ظهراً حينما دخل رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات الاستثمارية الكبرى إلى المكتب، وعلامات الإرهاق الذهني باديةٌ على وجهه. وضع أمامي ملفاً ضخماً يتضمن نزاعاً تجارياً وإدارياً معقداً يخص عقود توريد وتراخيص تشغيل، مشيراً إلى أن الشركة باتت مهددة بغرامات فسخ وتعويضات طائلة نتيجة تغيرات ظروف السوق والقرارات التنظيمية المفاجئة، وهي حالة لم تتطرق لها العقود التقليدية بشكل صريح.
كانت المسألة تتعدى حدود النصوص المباشرة، وتتطلب بحثاً عميقاً في روح القانون، ومبادئ القوة القاهرة، والظروف الطارئة، ومدى إعادة التوازن الاقتصادي للعقود الإدارية والتجارية. عكفنا لأسابيع على إعداد مذكرة الدفاع، واستخلاص المبادئ القضائية المقارنة، وبناء دفعٍ قانوني نوعي يطالب بتطبيق نظرية الحوادث الطارئة على الواقعة وتعديل الالتزامات بما يحقق العدالة.
وفي يوم النطق بالحكم، أصدرت المحكمة الاقتصادية حكماً قضائياً نادراً استجاب لكافة أسانيدنا، وقضى بإعادة توزيع التكاليف والالتزامات وإعفاء الشركة من الغرامات التقديرية. لم يكن هذا الحكم مجرد انتصار لشركة في خصومة، بل شكل سابقةً وحكماً نادراً أرسى مبدأً يحمي الاستثمارات التجارية عند تقلب الظروف الاقتصادية القاهرة.

